السيد محمد الصدر
62
منة المنان في الدفاع عن القرآن
كما أنَّ المراد ب - ( الربّ ) في قوله تعالى : كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ هو الله تعالى ، فتارةً نتعبّد برأي المشهور ، وحينئذٍ لا داعي لأن نتكلّف في الفهم للمعاني ، وأُخرى لا ، بل نعتمد على ما نفهم ؛ لأنَّني لم أطرح هذا الدرس لأجل التعبّد برأي المشهور ، وعليه فإنَّ المراد ب - ( الربّ ) هنا عدّة احتمالاتٍ : أوّلًا : المراد هو الله سبحانه ، كما عليه فهم المشهور ، وقد أخذه المشهور مسلّم الصحة ، لكنّهم يورّطون أنفسهم من جهةٍ أُخرى ، وهي قوله تعالى : مُلَاقِيهِ ، فيرد على المشهور أنَّ المراد إن كان الملاقي هو الله تعالى فهذا محالٌ ؛ لأنَّ ( يلاقي ) تلازم المكان والزمان ، وقد ثبت في علم الكلام الإسلامي استحالة ذلك على الله تعالى « 1 » . إذن فلقاؤه مستحيلٌ ، ونحن محدودون ، والمحدود لا يدرك إلّا المحدود ، وعليه فيلزم حمل مُلَاقِيهِ على أنَّه ملاقٍ ثوابه لا شخصه ، فيكون التقدير على خلاف الظاهر . فنحن بين أحد أُمورٍ ثلاثةٍ من خلاف الظاهر ، وهي إمّا أن نرفع اليد عن الظهور في ( ربّك ) من أنَّه هو الله تعالى بذاته ، أي : أنَّ الملاقي إنَّما هو غير الله سبحانه ، وإمّا أن نقرّ بصحّة ذلك ، ولكن نقول : لابدّ من التقدير في مُلَاقِيهِ ، ونقول أيضاً : إنَّ المراد ملاقي ثواب الله ، لا ملاقي الله بذاته ، وإمّا أن نعترف بكلا الأمرين ( ملاقي الله ) ؛ باعتبار أنَّ إليه المنتهى وإليه الرجعى ، على ما سوف يأتي ذكره . وهذا له درجةٌ من درجات الباطن ، لكن نستطيع أن نقول : إنَّ المشهور التقليدي يتمسّك بهذه الأُطروحة ، وهي أنَّ ربّك هو الله ، لكنّه ملاقي ثوابَه .
--> ( 1 ) راجع القبسات : 24 ، القبس الأوّل ، الشواهد الربوبيّة في المناهج السلوكيّة : 289 ، الإشراق السابع ، أُصول المعارف : 96 ، الباب السابع .